أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

58

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

ولما كان التخلص من دقائق الرياء ومخادع النفوس لا يكون في الغالب إلا بالفكرة ولا تتم الفكرة إلا بالعزلة ، ذكرها فقال : 12 - ما نفع القلب شيء مثل عزلة يدخل بها ميدان فكرة . النفع : إيصال الفائدة ، والقلب : القوة المستعدة لقبول العلم ، والعزلة : انفراد القلب باللّه ، وقد يراد بها الخلوة التي هي انفراد القالب عن الناس وهو المراد هنا إذ لا ينفرد القلب في الغالب إلا إذا انفرد القالب . وميدان بالفتح والكسر في الميم مجال الخيل ، استعير هنا للأفكار ، إذ تردّدها في مواقعها كتردد الخيل في مجالها والفكرة : سير القلب إلى حضرة الرب ، وهي على قسمين : - فكرة تصديق وإيمان . - وفكرة شهود وعيان ، على ما يأتي . قلت : لا شيء أنفع للقلب من عزلة مصحوبة بفكرة لأن العزلة كالحمية والفكرة كالدواء ، فلا ينفع الدواء من غير حمية ، ولا فائدة في الحمية من غير دواء ، فلا خير في عزلة لا فكرة فيها ولا نهوض لفكرة لا عزلة معها ؛ إذ المقصود من العزلة هو تفرغ القلب ، والمقصود من التفرغ هو جولان القلب واشتغال الفكرة والمقصود من اشتغال الفكرة تحصيل العلم وتمكنه من القلب ، وتمكين « 1 » العلم باللّه من القلب هو دواؤه وغاية صحته ، وهو الذي سماه اللّه القلب السليم قال اللّه تعالى في شأن القيامة : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ الشعراء 88 : 89 ] ، أي صحيح وقد قالوا : إن القلب كالمعدة إذا قويت عليها الأخلاط مرضت ، ولا ينفعها إلا الحمية ، وهي قلة موادّها ومنعها من كثرة الأخلاط .

--> ( 1 ) في المطبوع : تمكن .